عماد الدين خليل

35

المستشرقون والسيرة النبوية

وهذا مبشر قديم يحاضر في الشريعة الإسلامية بجامعة لندن ، لا يبدي احتراما يذكر لذكاء القارئ ، ويعلن في مقدمة مقال له : أنه يقدّم معلومات صحيحة لمعالجة الدراسة موضوعيا حتى يكون منصفا مدقّقا ولكن بعد هذا كله يكتب : ( إنه لا يمكن أن يكون هناك شك على أي صورة أن محمدا قد تمثل أفكارا من التلمود وبعض المصادر المحرّفة ، أما بالنسبة للمسيحية فإن هناك احتمالا طاغيا بأن محمدا قد استمدّ إيحاءه منها ) . . ومن أجل تبيّن مدى موضوعية المبشّر المذكور يجب أن نقرأ هذه الكلمات التي وردت في ختام مقاله : ( إن للعالم أن يرى ماذا سوف يحدث حين يعرض إنجيل المسيح الحي بالصورة الملائمة لملايين المسلمين ) ! ! « 1 » . وامتدادا لهذه الأزمة ( المذهبية ) التي تؤثر سلبا على نقاء المنهج الاستشراقي ، يلمس المرء في معطيات المستشرقين تعاطفا مع العناصر والقوى المضادة للإسلام ، ولنبيّه عليه الصلاة والسلام ، ولا ريب أن ما يتمخّض عن هذا من ( كراهية تضع جدرانا بين القوم وبين الفهم الصحيح لوقائع السيرة ، وتصيب مناهج العمل بمزيد من التشنج . . وفرق كبير بين الحكم الذي يصدره قاض يقف موقفا محايدا بين طرفي القضية ، والحكم الذي يصدره قاض يتعاطف مع أحد الطرفين ويكره الآخر أو يدينه ابتداء ! ! ) . الشواهد كثيرة ، ويكفي أن يقرأ المرء كتابات مرغوليوث أو فلهاوزن أو بروكلمان ليرى بأم عينه اتساع هذا التيار في المعطيات الاستشراقية . . مثلا : نقرأ لدى بروكلمان هذا النص : « . . لم يطل العهد بمحمد حتى شجر النزاع بينه وبين أحبار اليهود . فالواقع أنه على الرغم مما تمّ لهم من علم هزيل في تلك البقعة النائية كانوا يفوقون النبي الأمي في المعلومات الوضعية وفي حدة الإدراك » « 2 » . ونقرأ : « كان على محمد أن يعوض خسارة

--> ( 1 ) المصدر السابق نفسه . ( 2 ) تاريخ الشعوب الإسلامية ، ص 47 .